السيد محمد باقر الخوانساري

329

روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات

وذكر أيضا : انّ في زمن مقامي ببغداد خرجت أيّاما إلى الحلّة المحروسة ، فأشار إلىّ بعض أقربائى في ملاقاة بعض حكّامها ، فاستخرت اللّه تعالى في ذلك ، فلم يساعدني ، فبقيت بهذه الحالة شهرا كاملا ، وأنا أستخير اللّه في كلّ يوم مرّتين بكرة وعشيّا ، ويجئ في كلّ مرّة منها لا تفعل ثلاثة ، حتّى انتهى الأمر إلى خمسين استخارة كلّها يجئ كذلك ، فانكشف لي بعد زمن من هذه الواقعة انّ مصلحتي كانت في عدم ملاقاته ، وانّه كان يصيبني الضّرر العظيم في صحبة ذلك الرّجل . أقول : وحكاية الاستخارة وظهور تأثيراتها الغريبة في هذا العالم أمر عجيب وحيرة لكلّ متفكّر لبيب ، وهي مفتاح للمغيب ، ومصباح للكئيب ، ولكلّ من اجراه اللّه تعالى على يديه من أوفر نصيب وأنفع نسيب ، بل هو أشفق من كلّ حبيب ، وأبصر من كلّ حسيب ، واكفى كلّ شئ يلقى من التملّق للمنجّم والطّبيب ، والتعلّق بأذيال أصحاب التّجربة والتّدريب ، والتفرغ إلى أبناء الناطقين بالمظنّة والتّقريب . وخصوصا ما وقع منها بأداة السّبحة وذات الرّقاع ، ولا سيّما إذا تعلّق بأمور الأطعمة والمعاملات ، فانّها عند هذا العبد بمنزلة وحي مطاع ، في بيان المضرّة والانتفاع ، والمجاوز لدى أثرها المبين في كلّ حين ، من مرحلة علم اليقين إلى حقّ اليقين ، بحيث قد اهتديت بنور ذلك إلى كثير من صفات الجلال والجمال ، وبهتّ بكثير منها كثيرا من مهرة العلوم وأرباب الكمال ، وإن كنت مع ذلك قد الام إلى كثرة استعمالها في الأعمال ، وأنسب إلى الإفراط في ملازمتها عند الجاهلين بحقيقة الأحوال ، ومع ذلك فلا أبالي أنا بشئ من هذه الأقوال ، بعد ما ينكشف لي به طريق الحقّ من الضّلال . واعلم انّه من جملة ارتكاب أمر حلال ، واتّكال في الأمر على إشارة حضرة ذي الجلال ، وانتفاع محسوس بجواهر كلّ غيب مكنون ، واحتياط للنّفس لدى كلّ ضرر مظنون ، بل أشكر اللّه تعالى كثيرا على اختصاصنا به من بين سائر المذاهب والأديان ، وأقول دائما بلسان